مع حلول يوم 22 نوفمبر 2025، تسترجع غينيا واحدة من أكثر المحطات إيلاماً في تاريخها الحديث؛ الذكرى الخامسة والخمسون للهجوم العسكري الذي استهدف العاصمة كوناكري عام 1970، في عملية وُصفت آنذاك بأنها “عدوان إمبريالي” استهدف إسقاط النظام الوطني بقيادة الرئيس أحمد سيكو توري. ورغم مرور أكثر من نصف قرن، ما زالت هذه الحادثة محفورة في الذاكرة الجماعية للغينيين، نظراً لآثارها العميقة على المسار السياسي والأمني للبلاد.
وفق شهادات تاريخية عديدة، فقد بدأت العملية في الساعات الأولى من صباح يوم الأحد 22 نوفمبر 1970، حين اقتربت ست سفن حربية رمادية اللون، بدون أي علامات تعريفية، من السواحل الغينية وعلى متنها أكثر من أربعمائة مقاتل مدججين بالسلاح. ومع وصولهم إلى محيط ميناء كوناكري، انطلقت الهجمات التي أسفرت عن مقتل أكثر من 530 غينياً، في محاولة لقلب النظام القائم آنذاك.
ورغم عنصر المفاجأة، يروي التاريخ أن الشعب الغيني انتفض كجسد واحد للدفاع عن البلاد. فبقيادة الرئيس أحمد سيكو توري، الذي كان يتمتع بشعبية واسعة داخل صفوف الشعب ومكانة قوية على الساحة الإفريقية، تمكنت القوات الوطنية والمتطوعون من صد الهجوم بعد ساعات طويلة من القتال. وتم اعتقال عدد من المهاجمين، فيما تمت ملاحقة آخرين حتى تمت السيطرة على الوضع بالكامل.
لكن الجدل حول تلك الحادثة لم يتوقف عند حدود الرواية الأمنية والعسكرية، بل امتد إلى النقاش السياسي والتاريخي. فبينما يرى البعض أن عملية الاعتداء كانت امتداداً للصراع بين القوى الإفريقية المطالِبة بالتحرر وبين الأنظمة الاستعمارية السابقة، يرى آخرون أنها كانت انعكاساً لصراع داخلي وإقليمي استُغل لإضعاف الدولة الغينية الفتية. كما تتهم بعض الأطراف جهات فاعلة في المنطقة، آنذاك، بالتواطؤ في الهجوم خدمة لمصالح خارجية.
اليوم، وبعد 55 عاماً، لا تزال هذه الصفحة محط جدل بين المؤرخين والطبقة السياسية. فهناك من يعتبر أن هذه الذكرى تُستخدم أحياناً لتبرير ممارسات سياسية لاحقة، بينما يرى آخرون أنّ تجاهلها أو التقليل من شأنها يفتح الباب أمام تحريف الحقائق التاريخية. ويؤكد متخصصون في التاريخ السياسي لإفريقيا أن التضليل والتلاعب بالصورة السياسية للقادة الأفارقة، سواء عبر التشويه أو التقديس المفرط، كان سمة بارزة خلال حقبة الحرب الباردة، حيث كانت مواقف الدول الإفريقية تستخدم كأوراق ضغط بين الشرق والغرب.
ورغم تعدد القراءات، يبقى المؤكد أن هجوم 22 نوفمبر 1970 شكّل نقطة تحول في مسار الدولة الغينية، وأدى إلى تشديد النظام الحاكم قبضته الأمنية، وزيادة الحس الوطني تجاه التهديدات الخارجية. كما ترك آثاراً إنسانية عميقة، إذ فقدت مئات الأسر أبناءها في تلك الليلة العصيبة.
وفي ختام إحياء هذه الذكرى، يرفع الغينيون أكفّ الدعاء لضحايا هذه الحادثة المؤلمة، مؤكدين ضرورة الحفاظ على الذاكرة الوطنية، بعيداً عن التوظيف السياسي، لضمان قراءة موضوعية تساهم في بناء مستقبل يسوده الاستقرار والتماسك الوطني.