بعد شهور من الترقب، دخل مشروع الدستور الغيني الجديد مرحلة الحسم، عقب تسليمه رسميًا من قبل المجلس الوطني للانتقال إلى رئيس المرحلة الانتقالية، الجنرال مامادي دومبويا، في 26 يونيو الماضي. هذا المشروع، الذي يترقبه الرأي العام الوطني والدولي، يتضمن إصلاحات بنيوية عميقة تعكس إرادة سياسية لإعادة تشكيل الدولة الغينية على أسس جديدة، تعزز الديمقراطية، وتضمن الاستقرار وتوسيع قاعدة المشاركة في الحياة العامة.
من أبرز ما يميز النص الدستوري المقترح هو إعادة ترتيب الهيكل المؤسسي للدولة ضمن ثلاث فئات رئيسية:
- المؤسسات الحاكمة وتشمل رئاسة الجمهورية، الجمعية الوطنية، مجلس الشيوخ والحكومة.
- المؤسسات القضائية وتشمل المحكمة العليا، المحكمة الدستورية، محكمة الحسابات، ومحكمة جديدة تحمل اسم محكمة العدالة الخاصة بالجمهورية لتحل محل المحكمة العليا للعدالة في النصوص الدستورية السابقة.
- مؤسسات دعم الحوكمة الديمقراطية التي شهدت تغييرات جوهرية، من بينها إلغاء تسمية الهيئة العليا للاتصال لتصبح لجنة تنظيم الاتصال والسمعي البصري، وكذلك استبدال اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات بـ الهيئة التقنية المستقلة لإدارة الانتخابات.
في المقابل، لم يُذكر المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي والثقافي، مما يشير إلى إقصائه من الخارطة المؤسسية الجديدة، وهو ما يطرح تساؤلات حول توجهات الدولة الجديدة في ما يخص الحوار الاجتماعي والتنموي.
واحدة من أبرز المواد المثيرة للنقاش في مشروع الدستور هي المادة 74 التي تمنح رؤساء الجمهورية السابقين حصانة مدنية وجنائية عن الأفعال التي قاموا بها أثناء توليهم السلطة، بالإضافة إلى امتيازات مادية وأمنية وتكليفهم بمهام خاصة من قبل الرئيس الحالي.
رغم أن بعض المراقبين يرون في هذه الخطوة محاولة لضمان انتقال سلمي وسلس للسلطة في المستقبل، يرى آخرون أنها تشكل ثغرة قانونية قد تُستغل للتهرب من المحاسبة، خصوصًا في السياق الغيني الذي عرف فترات من الحكم المطلق والانقلابات.
في باب تنظيم الترشح للرئاسة، وضع مشروع الدستور معايير دقيقة، قد تساهم في الحد من الفوضى السياسية. فإلى جانب الشروط الكلاسيكية كالجنسية والتمتع بالحقوق السياسية، يشترط النص أن يكون المرشح مقيمًا في البلاد، وأن يُثبت سلامته الجسدية والعقلية عبر لجنة طبية متعددة الاختصاصات. كما يشترط أن يتراوح عمره بين 40 و80 عامًا، ويقدّم تصريحًا بممتلكاته.
هذه المعايير، رغم صرامتها، تطرح إشكالية قد تتعلق بمساحة التأويل في الجانب الصحي، ومدى استقلالية اللجنة الطبية، ومدى شفافية التصريح بالممتلكات.
يتجه مشروع الدستور الجديد إلى اعتماد نظام برلماني ثنائي، عبر إنشاء مجلس الشيوخ إلى جانب الجمعية الوطنية، في محاولة لتوسيع قاعدة التمثيل وتعزيز التوازن المؤسساتي.
- الجمعية الوطنية ستمثل الشعب الغيني، ويتوزع انتخاب نوابها بين النظام النسبي والدوائر الفردية.
- مجلس الشيوخ، من جانبه، سيكون ممثلاً للجماعات المحلية والمكونات الاجتماعية، مع نظام مزدوج للتعيين والانتخاب، حيث يعين الرئيس ثلث الأعضاء، وينتخب الثلثان من قبل المجالس الجهوية والمحلية.
هذا التوزيع الجديد للسلطة التشريعية يمكن أن يخلق ديناميكية جديدة داخل البرلمان، خصوصًا إذا تم احترام التوازن السياسي وتكريس التعددية.
حدد مشروع الدستور بدقة مجالات تدخل كل من الغرفتين، حيث تحتفظ الجمعية الوطنية بالاختصاص الحصري في مجالات محددة، بينما تشترك مع مجلس الشيوخ في سن قوانين تتعلق بالتنمية، الانتخابات، القوانين الاجتماعية، وتعزيز الحوكمة. وفي حال التعارض بين الغرفتين، تنعقد لجنة مشتركة، وإن فشلت، تعود الكلمة الأخيرة للجمعية الوطنية.
هذا النظام، المستوحى من التجارب الديمقراطية الغربية، يعكس نية واضحة في إرساء آلية توازن تشريعي فعالة، وإن بقي تطبيقه الفعلي مرهونًا بالممارسة السياسية لاحقًا.
ما بين تعدد المؤسسات، وتعزيز الصلاحيات، وضبط شروط الترشح، يبدو أن مشروع الدستور يسعى إلى نقل البلاد من مرحلة انتقالية إلى مرحلة مؤسساتية مستقرة. غير أن بعض المواد، مثل الحصانة الممنوحة للرؤساء السابقين، واستبعاد بعض الهيئات، ووجود هامش واسع للسلطة التنفيذية في تعيين أعضاء مجلس الشيوخ، تطرح مخاوف مشروعة بشأن احتمالية تركيز السلطة في يد السلطة التنفيذية.
في المقابل، تبقى الإيجابيات واضحة، خاصة في ما يتعلق بفتح المجال أمام تمثيل أفضل للنساء وذوي الإعاقة، وتنظيم مؤسسات دائمة تراقب الانتخابات والاتصال والإعلام، وهي خطوة طالما نادت بها قوى المجتمع المدني.
مشروع الدستور الجديد ليس مجرد وثيقة قانونية، بل هو خارطة طريق لمستقبل غينيا السياسي. نجاحه في إرساء نظام ديمقراطي حقيقي سيعتمد على مدى التزام السلطات والمؤسسات بتطبيقه فعليًا، ومدى قدرة المواطنين والمجتمع المدني على مراقبة وتنظيم الحياة السياسية في إطار هذا النص التأسيسي.
الكرة الآن في ملعب الشعب الغيني، الذي سيكون له الكلمة الفصل في الاستفتاء الشعبي القادم، لتحديد ما إذا كان هذا الدستور يستحق أن يُشكل الأساس لجمهورية ثالثة قائمة على التعددية، القانون، والحكم الرشيد.